كتب محمد سعد عبد الحفيظ أن ما كان يُهمس به خلف الأبواب المغلقة أصبح يُقال علنًا، إذ لم يعد نواب وسياسيون على صلة وثيقة بدوائر السلطة يلمحون إلى ضرورة رحيل حكومة مصطفى مدبولي، بل صاروا يطالبون بذلك صراحة، بعد أكثر من ثماني سنوات قضاها رئيس الوزراء في منصبه. ويؤكد هؤلاء أن صبر المواطنين نفد.


وأشارت المنصة، في مقال رأي لعبد الحفيظ، إلى أن أسباب توجه القيادة المصرية نحو تغيير الحكومة يمكن وضعها جانبًا، وكذلك المسألة المحرجة المتعلقة بوزراء يجلسون في مجالس إدارات بنوك وشركات عامة يفترض أن يخضعوا لتنظيمها. لكن حقيقة واحدة تفرض نفسها: إذا أُقيلت حكومة بعد أقل من عام على تشكيلها، فإن ذلك يستدعي تفسيرًا واضحًا. كيف يمكن تبرير هذا القرار؟ وهل يتمتع النظام بالقدر الكافي من الشفافية لتفسير أسباب تجديد الثقة في مدبولي في وقت سابق من العام، ثم التعامل مع رحيله في أغسطس باعتباره أمرًا محسومًا؟


في فبراير الماضي، وبعد تعديل وزاري شمل 13 وزارة وأبقى على مدبولي في منصبه، وجه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي حكومته بثمانية تكليفات ركزت على الحفاظ على الأمن القومي، وإصلاح الاقتصاد، وخفض الدين، والتخطيط الجيد، ومتابعة الأداء، ومصارحة الجمهور بالحقيقة. وقبل أيام، نشر وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان نداءً إلى زملائه الصحفيين حمل عنوان «التنفيس الضروري»، دعا فيه إلى إتاحة المجال للنقاش العام وتعدد الآراء.


الوعود التي سبقت الحساب


تبدو المفارقة واضحة: تغيير الحكومة، وهو حدث يمس المواطنين بصورة مباشرة، جرى التعامل معه باعتباره سرًا من أسرار الدولة. وغضت معظم وسائل الإعلام المصرية الطرف عن القضية، متخلية عن الواجب الذي دعا إليه رشوان نفسه، والمتمثل في إخبار المواطنين بما يجري خلف الأبواب المغلقة وكيف تُتخذ القرارات فعليًا. ويعرف كل من يتحدث في القاهرة مع نائب أو سياسي أو صحفي أن التعديل الحكومي قادم.


وتعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة في كل مرة دون إجابات واضحة. ولا يتعلق الأمر بالوزير الذي سيبقى أو يرحل، ولا بمن سيحصل على المكتب الأهم، وإنما بما أنجزته الحكومة المنتهية ولايتها خلال سنوات وجودها في السلطة، وما الذي تتركه للحكومة المقبلة كي ترثه من أزمات وملفات غير مكتملة ووعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.


وفي عام 2018، وعد مدبولي بخفض الدين، والسيطرة على التضخم، وإعادة الاقتصاد إلى مساره.


ويحق لأي رئيس وزراء أن يلقي مسؤولية إخفاقاته على الظروف العالمية، سواء كانت جائحة، أو حربًا في أوكرانيا، أو حربًا على غزة، أو حربًا مع إيران. لكن المواطن الذي يُطلب منه تحمل تبعات كل هذه الأزمات يملك الحق نفسه في العودة إلى الوعود التي تلقاها عندما طُلب منه التحلي بالصبر.


وفي يوليو 2018، وقف مدبولي أمام البرلمان وقدم برنامج حكومته تحت عنوان «مصر تنطلق»، ليضع، عمليًا، تصورًا مسبقًا لما كان يفترض أن تبدو عليه البلاد في الوقت الراهن.


ووعد مدبولي بحماية الأمن القومي والدفاع عن حقوق مصر المائية، كما وعد بأن يشعر المصريون العاديون بثمار الإصلاح الاقتصادي خلال عامين. وتعهد بخفض الدين الحكومي والسيطرة على التضخم وتحسين المؤشرات الاقتصادية للبلاد، وتوفير طاقة «عالية الجودة وبسعر تنافسي» لكل من يحتاج إليها. أما الفئات الأكثر فقرًا وتهميشًا، فوعدها بتغيير ملموس وواضح في حياتها اليومية خلال أشهر.


ثم قال للمصريين إن 85% من برنامج الإصلاح قد اكتمل بالفعل، وإن الشعب الذي «تحمل الكثير وصبر طويلًا» لم يعد أمامه سوى انتظار فترة قصيرة قبل أن يرى بنفسه النتائج الإيجابية.


الحصاد الاقتصادي والاجتماعي بعد ثماني سنوات


بعد ثماني سنوات، يقع على عاتق المؤسسات التي يفترض أن تراقب السلطة وتحاسبها، وفي مقدمتها البرلمان والصحافة، إجراء الحسابات اللازمة: كيف كانت الأوضاع قبل تولي الحكومة، وما الذي وعدت به، وما الذي تحقق فعليًا؟


في عام 2018، بلغ معدل النمو الحقيقي، وفق الرقم الذي قدمه مدبولي نفسه، 5.4%. ووعد برفعه إلى 8% بحلول عامي 2021 و2022، لكن هذا الهدف لم يتحقق. وانزلق الاقتصاد بدلًا من ذلك إلى واحدة من أشد حالات التباطؤ في تاريخه الحديث، بينما يتراوح معدل النمو حاليًا، وفق أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي، بين 4% و5%.


وعلى صعيد الدين، وعد مدبولي بخفض نسبته إلى أقل من 90% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2020، ثم إلى 80% بنهاية البرنامج، مع خفض العجز إلى 6% وتحقيق فائض أولي يقترب من 2%. ويبلغ الدين حاليًا نحو 84% من الناتج المحلي الإجمالي. وانخفض العجز إلى 5.3% وفق أرقام وزارة المالية، وهو تقدم محدود يمثل الرقم الوحيد في هذه المقارنة الذي تحرك في الاتجاه الصحيح.


أما الدين الخارجي، الذي بلغ نحو 90 مليار دولار في عامي 2017 و2018، فقد ارتفع إلى نحو 165 مليار دولار. كما زادت الاحتياطيات الأجنبية من 42.5 مليار دولار في فبراير 2018 إلى أكثر من 56.3 مليار دولار حاليًا.


وفي الفترة نفسها، انهارت قيمة العملة، إذ ارتفع سعر الدولار من 17.9 جنيه في عام 2018 إلى نحو 50 جنيهًا حاليًا. وانتقل أثر هذا الانهيار مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والآلات والسيارات والتعليم والخدمات والإسكان وكل ما يحدد قدرة الأسرة على تدبير احتياجاتها اليومية.


وعلى صعيد الطاقة، وهو الوعد الذي صاغه مدبولي بأكثر العبارات ثقة عندما تحدث عن «جودة عالية وسعر تنافسي»، لم تكتف الحكومة برفع الأسعار بما يقارب أربعة أضعاف، بل طبقت أحدث زيادة في أسعار الكهرباء، التي أقرتها في أغسطس، بأثر رجعي، ما يعني محاسبة المواطنين على زيادة في السعر قبل دخولها حيز التطبيق.


ويقود ذلك إلى الرقم الأكثر أهمية بالنسبة إلى المواطنين الذين يعيشون هذه الظروف، وهو التضخم الذي سجل مستويات قياسية في عام 2023، ثم تراجع لفترة، قبل أن يصعد مجددًا إلى 13% في يوليو الماضي.


ولا يدفع المواطن الذي قيل له عام 2018 إن «الجزء الأصعب أصبح وراءه ولم يتبق سوى القليل» أسعارًا أعلى فحسب، بل بات دخله يشتري كميات أقل، وأصبحت مدخراته أقل قيمة. ووفق آخر قياس رسمي للفقر، يعود إلى ست سنوات مضت ولم تنشر أرقام موثوقة أحدث منه، يعيش قرابة ثلث سكان البلاد تحت خط الفقر.


وتبرز قضية المياه أيضًا، بعدما وضع برنامج مدبولي لعام 2018 هذه المسألة بوضوح ضمن نطاق الأمن القومي المصري، متعهدًا بالدفاع عن حقوق البلاد المائية. وأصبح سد إثيوبيا واقعًا قائمًا على الأرض، بينما تتحدث أديس أبابا علنًا عن بناء سدود جديدة، وعن قواعد جديدة لتقاسم مياه النيل.


المحاسبة لا تتعلق بتغيير الحكومة وحده


ليس من العادل تحميل رجل واحد مسؤولية ثماني سنوات صعبة، كما أنه ليس من المنصف أيضًا السماح له بالمغادرة باعتباره مجرد موظف نفذ أوامر صادرة من جهات أخرى. فقد أمضى مدبولي أكثر من ثماني سنوات على رأس السلطة التنفيذية، ولم يقتصر دوره على إدارة قرارات صيغت في أماكن أخرى، بل شارك في تشكيل السياسات التي تحولت إلى قرارات وبرامج وقوانين. ولذلك ينبغي أن يتحمل نصيبه من المسؤولية، وأن يخضع للمحاسبة عنها.


لكن بقاء حكومة مدبولي أو رحيلها لا يمثل المشكلة الحقيقية. فالمشكلة الأكبر تتمثل في الدائرة التي تواصل الانغلاق مهما تغيرت الأسماء.


ولن تنتهي الإخفاقات الكبرى برحيل رئيس وزراء أو تغيير حكومة واحدة، لأن تغيير الأسماء لا يغير شيئًا إذا بقيت طريقة اتخاذ القرارات على حالها.


ولذلك لا تكمن المشكلة في بقاء هذه الحكومة أو رحيلها، ولا في الوزير الذي سيحل محل وزير آخر، وإنما في إعادة إنتاج الحلقة المغلقة نفسها. تتشكل حكومة جديدة من نقطة البداية ذاتها، وتطرح الشعارات المضيئة نفسها، وتقدم برنامجًا أمام البرلمان، وتطلب من المواطنين مزيدًا من الصبر، ثم تغادر السلطة بعد سنوات، بعدما تكون قد أخفقت في تحقيق معظم المعايير التي وضعتها بنفسها، دون أن يعرف المواطنون من كتب السياسات فعلًا، ومن اتخذ القرارات، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.


وينص الدستور على أن الشعب «صاحب الحقوق ومصدر السلطات»، ويؤكد حق المواطنين في المشاركة في تشكيل مستقبلهم. ولذلك فإن حرمان المواطن من حقه في المعرفة والتدقيق ومحاسبة أصحاب السلطة، والتعامل معه باعتباره شخصًا تقع عليه القرارات بدلًا من اعتباره طرفًا مشاركًا في صياغتها، لا يمثل خللًا بسيطًا في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع.


بل يعني ذلك إهدارًا واضحًا لحقوق يكفلها الدستور نفسه، ومغامرة بمستقبل البلاد في لحظة بلغ فيها إنهاك المواطنين مستوى ينبغي أن يبقي أصحاب السلطة مستيقظين ليلًا.


وإذا أرادت الدولة أن يكون هذا التعديل الوزاري أكثر من مجرد جولة جديدة في اللعبة نفسها، وإذا أرادت فعلًا إعادة بناء الثقة التي استنزفتها وسد الشقوق التي تتسع داخل قاعدتها، فلن يكفي تغيير الوجوه.


عليها أن تفتح المجال أمام المواطنين لمعرفة من يكتب السياسات، ومن يتخذ القرارات، ومن ينفذها، ومن يتحمل مسؤولية الفشل عندما يقع. كما ينبغي أن تمنح البرلمان والصحافة والمجتمع المدني المساحة اللازمة لأداء أدوارهم الحقيقية، بدلًا من التعامل مع التعديل الوزاري باعتباره مدخلًا مناسبًا لتعليق كل الأزمات المتراكمة عليه.


فالمسألة في النهاية لا تتعلق فقط بمن سيبقى في منصبه ومن سيرحل، وإنما بما إذا كانت الدولة مستعدة لمراجعة الطريقة التي تُصنع بها القرارات وتُدار بها البلاد، وبما إذا كان المواطن سيحصل أخيرًا على إجابات عن الأسئلة التي ظلت معلقة طوال سنوات.

 

https://almanassa.com/en/stories/33585